الشوكاني
518
فتح القدير
سورة هود الآية ( 89 - 95 ) أي وأرسلنا إلى مدين وهم قوم شعيب أخاهم في النسب شعيبا ، وسموا مدين باسم أبيهم ، وهو مدين بن إبراهيم ، وقيل باسم مدينتهم . قال النحاس : لا ينصرف مدين لأنه اسم مدينة ، وقد تقدم الكلام على هذا في الأعراف بأبسط مما هنا ، وقد تقدم تفسير ( قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) في أول السورة ، وهذه الجملة مستأنفة ، كأنه قيل : ماذا قال لهم شعيب لما أرسله الله إليهم ؟ وقد كان شعيب عليه السلام يسمى خطيب الأنبياء لحسن مراجعته لقومه ، أمرهم أولا بعبادة الله سبحانه الذي هو الإله وحده شريك له ، ثم نهاهم عن أن ينقصوا المكيال والميزان ، لأنهم كانوا مع كفرهم أهل تطفيف ، كانوا إذا جاءهم البائع بالطعام أخذوا بكيل زائد وكذلك إذا وصل إليهم الموزون أخذوا بوزن زائد ، وإذا باعوا باعوا بكيل ناقص ووزن ناقص ، وجملة ( إني أراكم بخير ) تعليل للنهي : أي لا تنقصوا المكيال والميزان لأني أراكم بخير : أي بثروة وسعة من الرزق فلا تغيروا نعمة الله عليكم بمعصيته والإضرار بعباده ، ففي هذه النعمة ما يغنيكم عن أخذ أموال الناس بغير حقها ، ثم ذكر بعد هذه العلة علة أخرى ، فقال ( وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط ) فهذه العلة فيها الإذكار لهم بعذاب الآخرة كما أن العلة الأولى فيها الإذكار لهم بنعيم الدنيا ، ووصف اليوم بالإحاطة والمراد العذاب ، لأن العذاب واقع في اليوم ، ومعنى إحاطة عذاب اليوم بهم أنه لا يشذ منهم أحد عنه ولا يجدون منه ملجأ ولا مهربا ، واليوم هو يوم القيامة ، وقيل هو يوم الانتقام منهم في الدنيا بالصيحة ، ثم أكد النهي عن نقص الكيل والوزن بقوله ( ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ) والإيفاء هو الإتمام ، والقسط العدل ، وهو عدم الزيادة والنقص وإن كان الزيادة على الإيفاء فضل وخير ، ولكنها فوق ما يفيده اسم العدل ، والنهي عن النقص وإن كان يستلزم الإيفاء ففي تعاضد الدلالتين مبالغة بليغة وتأكيد حسن ، ثم زاد ذلك تأكيدا فقال ( ولا تبخسوا الناس أشياءهم ) قد مر تفسير هذا في الأعراف ، وفيه النهي عن البخس على العموم ، والأشياء أعم مما يكال ويوزن فيدخل البخس بتطفيف الكيل والوزن في هذا دخولا أوليا ، وقيل البخس المكس خاصة ، ثم قال ( ولا تعثوا في الأرض مفسدين ) قد مر أيضا تفسيره في البقرة ، والعثي في الأرض يشمل كل ما يقع فيها من الإضرار بالناس فيدخل فيه ما في السياق من نقص المكيال والميزان ، وقيده بالحال وهو قوله ( مفسدين ) ليخرج ما كان صورته من العثي في الأرض ، والمقصود به الإصلاح كما وقع من الخضر في السفينة ( بقيت الله خير لكم ) أي ما يبقيه لكم من